الشنقيطي
24
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
اللَّهُ ، لا يمكن إجراؤه على ظاهره باتفاق جمهور العقلاء ، فدل على أن باب التأويل مفتوح ، وإن صرف الآيات عن ظواهرها بمقتضى الدلائل العقلية جائز ا ه . وهذا منه على مبدئه في تأويل آيات الصفات ، ويكفي لرده أنه مبني على مقتضى الدلائل العقلية ، ومعلوم أن العقل لا مدخل له في باب صفات اللّه تعالى ، لأنها فوق مستويات العقول لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 11 ) [ الشورى : 11 ] ولا يحيطون به علما سبحانه وتعالى . أما معنى الآية ، فإن سياق القرآن يدل على أن مثل هذا السياق ليس من باب الصفات كما في قوله تعالى : فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ [ النحل : 26 ] ، أي هدمه واقتلعه من قواعده ، ونظيره : أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً [ يونس : 24 ] . وقوله : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها [ الرعد : 41 ] ، وقوله أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها [ الأنبياء : 44 ] . وفي الحديث عن أبي هريرة رضي اللّه عنه في العدوي : أني قلت أتيت أي دهيت ، وتغير عليك حسك فتوهمت ما ليس بصحيح صحيحا . ويقال : أتي فلان بضم الهمزة وكسر التاء إذا أظل عليه العدو ، ومنه قولهم : « من مأمنه يؤتي الحذر » ، فيكون قوله تعالى : فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا أخذهم ودهاهم وباغتهم من حيث لم يحتسبوا من قتل كعب بن الأشرف وحصارهم ، وقذف الرعب في قلوبهم . وهناك موقف آخر في سورة البقرة يؤيد ما ذكرناه هنا ، وهو قوله تعالى : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 109 ) [ البقرة : 109 ] . فقوله تعالى : فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وهو في سياق أهل الكتاب ، وهم بذاتهم الذين قال فيهم : فَأَتاهُمُ اللَّهُ فيكون ، فأتاهم اللّه هنا هو إتيان أمره تعالى الموعود في بادىء الأمر عند الأمر بالعفو والصفح . وقد أورد الشيخ رحمه اللّه عند قوله تعالى : فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ أن هذه الآية في أهل الكتاب كما هو واضح من السياق ، وقال : والأمر في قوله : بِأَمْرِهِ ، قال بعض العلماء : هو واحد الأوامر ، وقال بعضهم : هو واحد الأمور .